محمد أحمد خلف الله

104

الفن القصصي في القرآن الكريم

والقرآن لا يقف من هذا الناموس الاجتماعي عند أثره في نفس الفرد أو في نفس الجماعة وإنما يعدوه إلى شرح علله وأسبابه ويرينا من كل هذه الأمور ما هو من عوامل التقدّم والتجديد وما هو من عوامل الجمود والتقليد وهو يربط كل ذلك بظواهر اجتماعية هي من النواميس التي لا تتخلّف . ولعل أحسن ما وقفنا عليه منها هو ما يأتي : ( أ ) الحالة المعيشية : والنظرة الأولى فيما صوّر القرآن من عوامل تدلّنا دلالة قوية على أن الأغنياء يقفون دائما في وجه الدعوات وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ « 1 » . وأنهم يكونون كتلة المعارضة التي تحارب الأفكار الجديدة والتي تنفق الأموال الضخمة في سبيل القضاء عليها بصد الناس عنها ومحاربة الداعين إليها ووضع العقبات في سبيلها إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ « 2 » . والنظرة الأولى أيضا تبيّن لنا أن الفقراء على العكس من ذلك فهم الذين يستجيبون للأنبياء وهم الذين يؤمنون بالدعوات وهم الذين يقفون إلى جانب الرسل ينصرونهم ويشدّون أزرهم حين يكونون في حاجة إلى الأنصار والأعوان ثم هم الذين يدافعون عنهم ويعصون أمر مخالفيهم حين يكون الجدل والحوار . فالمستضعفون من قوم صالح هم الذين لبّوا دعوته وصدّقوا رسالته وآمنوا بما جاء به من دين جديد قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ * فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ « 3 » . وتتعقّد الأمور دائما بين الفقراء والأغنياء كلما دعا داع أو جاء رسول بدين جديد . ومن هنا نرى تلك الخصومة التي تقوم بين الأغنياء والفقراء أو المستضعفين والمستكبرين . كما نرى الأغنياء يعيرون الرسل بانضمام الفقراء إليهم وأنهم أول من استجاب للدين

--> ( 1 ) سورة سبأ ، الآية 34 . ( 2 ) سورة الأنفال ، الآية 36 . ( 3 ) سورة الأعراف ، الآيات 75 - 77 .